صديق الحسيني القنوجي البخاري
151
فتح البيان في مقاصد القرآن
أني لم أشرك باللّه شيئا مذ عرفته وآمنت به ، ولم اتخذ من دونه وليا ولم أوقع المعاصي جرأة على اللّه ولا مكابرة له وإني لنادم وتائب ومستغفر فما حالي عند اللّه فأنزل اللّه تعالى هذه الآية أخرجه الترمذي ، عن علي أنه قال ما في القرآن آية أحب إلى من هذه الآية قال الترمذي حسن غريب . إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثاً تعليل لما قبلها أي ما يدعون من دون اللّه إلا أصناما لها أسماء مؤنثة كاللات والعزى ومناة قاله أبي بن كعب ، وقيل المراد بالإناث الأموات التي لا روح لها كالخشبة والحجر ، قال ابن عباس ، قال الزجاج : الموات كلها يخبر عنها كما يخبر عن المؤنث تقول هذه الحجر تعجبني ، وهذه الدرهم تنفعني وقد يطلق الأنثى على الجمادات . وقيل المراد بالإناث الملائكة لقولهم الملائكة بنات اللّه قال الضحاك : اتخذوهن أربابا وصوروهن صور الجواري فحلوا وقلدوا وقالوا هؤلاء يشبهن بنات اللّه الذي نعبده يعنون الملائكة ، وقرىء إلا وثنا بضم الواو والثاء جمع وثن ، رويت هذه عن عائشة ، وقرأ ابن عباس : إلا اثنا جمع وثن أيضا وقرأ الحسن إلا أنثا جمع أنيث كغدير وغدر ، وحكى الطبري أنه جمع إناث كثمار وثمر . وعلى جميع هذه القراءات فهذا الكلام خارج مخرج التوبيخ للمشركين والإزراء عليهم ، والتضعيف لعقولهم لكونهم عبدوا من دون اللّه نوعا ضعيفا ، وقال الحسن : كان لكل حي من أحياء العرب صنم يعبدونها يسمونها أنثى بني فلان فأنزل اللّه هذه الآية . وَإِنْ ما يَدْعُونَ من دون اللّه إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً وهو إبليس لعنه اللّه ، لأنهم إذا أطاعوه فيما سوّل لهم فقد عبدوه ، وتقدم اشتقاق لفظ الشيطان والمريد المتمرد العاتي من مرد إذا عتا ، قال الأزهري : المريد الخارج عن الطاعة وقد مرد الرجل مرودا إذا عتا وخرج عن الطاعة فهو مارد ومريد ومتمرد . وقال ابن عرفة : هو الذي ظهر شره يقال شجرة مرداء إذا تساقط ورقها وظهرت عيدانها ، ومنه قيل للرجل أمرد أي ظاهر مكان الشعر من عارضيه ، وقال ابن عباس : لكل صنم شيطان يدخل في جوفه ويتراءى للسدنة والكهنة ويكلمهم والأول أولى . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 118 إلى 119 ] لَعَنَهُ اللَّهُ وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً ( 118 ) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً ( 119 ) لَعَنَهُ اللَّهُ قيل مستأنفة وقيل دعاء عليه ، أصل اللعن الطرد والإبعاد ، وقد تقدم تفسيره وهو في العرف إبعاد مقترن بسخط وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً معطوف على قوله لعنه اللّه والجملتان صفة لشيطان أي شيطانا مريدا جامعا بين لعنة اللّه له